الإسلام السياسي والحراك العربي: دراسة نقدية فيما قبل السلطة وما بعدها

الإسلام السياسي والحراك العربي: دراسة نقدية فيما قبل السلطة وما بعدها

 في إطار سلسة كتاباته الأصيلة المسكونة بقضايا وإشكالات الشأن العربي والإسلامي، صدر  للباحث إدريس صابي مؤلف موسوم بـ “الإسلام السياسي والحراك العربي: دراسة نقدية في ما قبل السلطة وما بعدها”، يقع في 133 صفحة، نشر أفريقيا الشرق بالدار البيضاء، في طبعته الأولى سنة 2016، وهو كتاب يرصد بالتحليل والنقد تطورات وممارسات خطاب الحركات الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي، خاصة خلال العقود الأربعة الأخيرة.

وقد قسم الباحث -بعد التقديم والختام- كتابه إلى سبعة مباحث:

– المبحث الأول: في إشكالية المصطلح

– المبحث الثاني: في بعض العوامل الجغرافية والجيوسياسية لظهور الحركات الإسلامية

– المبحث الثالث: في بعض العوامل السياسية لميلاد عمل الإسلام السياسي والحركي

– المبحث الرابع: في بيان خصوصية “الإسلام السياسي” في منطقة المغرب الكبير

– المبحث الخامس: في سيرورة وآليات العمل الحركي الإخواني والخميني الصفوي

– المبحث السادس: في إبراز أبعاد الاهتمام الإعلامي والسينمائي بالإسلام الحركي

– المبحث السابع: في مقاربة دبلوماسية “الإسلام السياسي الشيعي الصفوي” للجمهورية الإسلامية إيران

استهل الباحث كتابه بمقدمة اعتبر من خلالها أن إشكالية “الإسلام السياسي” من أهم الاشكاليات التي ألقت بظلالها على الفكر السياسي العربي المعاصر، نظرا لراهنيتها وامتدادها في الفعل والمخيال الاجتماعي السياسي، خاصة بعد وصول بعض رموز الحركات الاسلامية إلى سدة الحكم والسلطة. وبدأت تطرح أسئلة إشكالية عامة من قبيل: ماذا يعني أن يكون للإسلام تمظهر سياسي؟ أو بصيغة أخرى: ماذا تعني السياسة التي يدعو إليها الإسلاميون باعتبارها أساسا من الأسس المتينة للإسلام في الحياة العامة؟

خصص المؤلف المبحث الأول  لـ “بيان إشكالية المصطلح”: ناقش من خلاله الأوصاف المتعددة للموصوف الواحد، ألا وهو “الحركات الاسلامية المعاصرة”. وهو تنوع تتحكم فيه عدة اعتبارات ثقافية وسلطوية: فمن الأسماء التي ارتضتها الحركات الإسلامية لنفسها نجد “الحركة الإسلامية”، “الصحوة الإسلامية”، النهضة الإسلامية”، “الجماعة الإسلامية”، “البعث الإسلامية” وغيرها. أما المناهضين لها فقد وصفوها بنعوت من مثل “الإسلام السياسي”، “الظلاميون”، “الماضويون”، “الإسلامويون”، “الرجعيون”.. كما يساهم التأويل الديني ومصطلحات التحليل السوسيولوجي ومنابزات الإعلام الرسمي في تكريس الاختلاف وتعدد الأوصاف حسب تأكيد المؤلف إدريس صابي. 

       إن إشكالية تعدد الأوصاف والنعوت يجعلنا نتساءل مع الباحث عن الأسباب والبواعث التي تقف وراءه: هل الأمر بالفعل يكتنفه غموض عجز معه الباحثون عن استيعاب الظاهرة المدروسة وتشخيصها وتفكيك رموزها؟ أم أن تنوع التجارب الاستقصائية أدى حتما إلى تعدد التصورات والرؤى؟ أم هي معركة المفاهيم والمصطلحات والأوصاف؟ 

      من خلال المبحث الثاني “في بعض العوامل الجغرافية والجيوسياسية لظهور الحركات الإسلامية”، بين المؤلف أن فهم العامل الجغرافي والمكاني والجيوسياسي أمر مفيد في استيعاب الكثير من الأسباب المتعددة لظهور عمل الحركات الإسلامية في الوطن العربي والإسلامي، وكذلك تفسير تنوع الخريطة الحركية التي تحكمت فيها عناصر موضوعية أصلية أو ذاتية اختيارية، مثلا فالحركات الإسلامية الفلسطينية تأثرت ببؤرة التوتر التي خلقها الكيان الصهيوني الغاصب، وفي شبه القارة الهندية تأثرت بالظروف التي نتجت عن وضع ما بعد الاستعمار الانجليزي، وفي المغرب العربي (خاصة المغرب والجزائر وتونس) كان لرد الفعل اتجاه السياسة والتيار التغريبيين أثر عميق في تطور طبيعة التيار الإسلامي به.

    في المبحث الثالث الموسوم بـ”في بعض العوامل السياسية لميلاد عمل الإسلام السياسي والحركي”، يذهب الباحث إلى أن في مقدمة ذلك الحسابات التكتيكية التي راهنت عليها بعض الجهات المسؤولة في البلدان العربية والإسلامية من أجل خلق توازن مع تيارات أخرى خاصة المعارضة منها، وهذا فيه مجانبة كبيرة للصواب، فهذا العامل، إن سلمنا بوجوده المحدود في الزمان والمكان، لا يمكن تعميمه وجعله السبب الأساس، والاستثناء لا يقاس عليه كما هو معروف. فالمشهود أن واقع العالم الإسلامي غير المرضي على مستويات شتى هو الركن المتين في نشأة وتطور التيار والعمل الإسلاميين في إطار العمل على “إقامة الدين” وتحرير الوطن من الاستبداد والاستعمار.

      من الأسباب الأخرى التي يوردها صاحب الكتاب، المراهنة على الحركات الإسلامية في إعطاء بعض القضايا الوطنية بعدا دينيا، والبحث عن أنجع الطرق لربح رهانات وطنية، ألا وهو تحقيق أكبر حشد ممكن لكافة القوى الوطنية الفاعلة في المجتمع. وتبقى القضية الفلسطينية في مقدمة العوامل السياسية لبروز عمل الحركات الإسلامية عموما. وهنا نلاحظ بأن الباحث ركز على أسباب خارجية موضوعية ليست ذات بال إذا ما قورنت بالأسباب الداخلية الذاتية التي تعد المرتكز الأساس لظهور وتطور الحركات الاسلامية، والمسكونة بالرغبة الجامحة في استعادة وتحقيق أمجاد تاريخية مفقودة، ومنها حلم النهضة والسيادة والشهود الحضاري والخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

      ركز المبحث الرابع على “بيان خصوصية الحركة الإسلامية في منطقة المغرب الكبير”، وذلك حسب الواقع المحلي والشروط السياسية وظروف كل بلد على حدة، فتجربة الظاهرة الإسلامية في المغرب ليست كمثيلتها في الجزائر أو غيرها، وذلك بالنظر إلى السياق الذي نشأت فيه كل حركة إسلامية وترعرعت.

     في هذا المبحث يخصص الباحث حيزا للحديث عن تاريخ الفعل الحركي الإسلامي المغربي، كما يعرج على تجربة التدبير الحكومي لإسلاميي المغرب بما لها وما عليها، وكذلك تجربة الحركة الإسلامية بالجزائرية -نموذج جبهة الإنقاذ-، ثم التجربة في تونس مذكرا بأهم المحطات والمنعطفات الحاسمة محاولا استجلاء مكامن القوة والضعف في هذه التجارب. رغم أنه لم يوفق في تقديري في بعض الأحكام التي أصدرها.

      أما المبحث الخامس فناقش “سيروة وآليات العمل الحركي الإخواني والخميني الصفوي”، مركزا في ذلك على حركة “الإخوان المسلمون” في مصر وحركة الخميني في إيران؛

      يذهب الكاتب إلى أن من أبرز عوامل المد الحركي الإخواني سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924 والتحولات التي عرفها المجتمع والدولة المصريين، والتي ما كانت لترضى عنها فئات عريضة محافظة بطبيعتها. في حين مرت الجماعة بمراحل، لخصها المؤلف في عهدين: عهد ملكي إلى حدود 1953م، وعهد جمهوري بعد الانقلاب الناصري، على أن سنة 2011م ستدخل الجماعة في العهد الثالث، ثم ستدخلهم سنة 2013م عهدا رابعا بعد عزل العسكري السيسي لمحمد مرسي رئيس الجمهورية المنتخب.  

      تعتبر تجربة الثورة الإسلامية الإيرانية أوضح صورة لوصول حركة إسلامية سياسية عن طريق الرغبة الشعبية العارمة، والتي أسهمت فيها عوامل عدة من بينها سياسة الشاه العلمانية المتنكرة لتاريخ إيران الإسلامي، والمتحيزة للغرب خاصة الولايات المتحدة، ونفي الخميني خارج إيران لمدة 15 عاما. كما يبين الأستاذ صابي أن التغيير في إيران ارتكز على فكرة “ولاية الفقيه”، التي منحها الخميني غزارة وقوة تنظيرية في كتابه “الحكومة الإسلامية”، وخلاصتها أن الأمة الشيعية يجب عليها أن تأخذ المبادرة في السياسة الشرعية بقيادة الإمام الفقيه الذي لا ينبغي أن يقتصر دوره على الإفتاء والإرشاد الديني. وهو ما ترجم فعلا وعملا سنة 1979.

    يعمد المبحث السادس إلى إبراز أبعاد الاهتمام الإعلامي والسينمائي بـ “الإسلام الحركي”. وهنا يذكر الباحث بأن التصنيف الكلاسيكي المتداول يمنح الإعلام السلطة الرابعة، بينما قيمة وحجم تأثيره في الرأي العام وصناعته وتجييشه تمنحه المرتبة الأولى. وهكذا فالسينما العالمية لم تترك فرصة الانشغال بظاهرة العنف والإرهاب تمر دون أن تدلي بدلوها، وسواء منها الغربية أو العربية (مثال فيلم “الإرهابي”)، وأحيانا بإيعاز من جهات مناهضة للإسلاميين. والنموذج البارز هو هوليود إمبراطورية السينما الأمريكية والعالمية، التي قامت بدور مشهود في تشويه صورة الإنسان العربي والمسلم، وخدمة السياسة العدائية الأمريكية في مواجهة أسطورة “الخطر الأخضر”، وفي انسجام وتكامل تام مع ما يخطط له أصحاب القرار في البيت الأبيض.

      وأخيرا تم تخصيص المبحث السابع لمقاربة ديبلوماسية “الإسلام السياسي الشيعي الصفوي”، للجمهورية الإسلامية إيران، حيث سواء كان الرئيس محافظا أو إصلاحيا فهو ملزم بالتطبيق الحرفي لمبادئ الثورة وأهدافها، كما أن صلاحياته في رسم الأهداف الإستراتيجية للدولة الإيرانية شبه منعدمة، إذ هي من صميم وظيفة ولاية الفقيه/المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران.

      إن السياسة الخارجية الإيرانية لها رؤية وثوابت وأصول ثابتة وواضحة (التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول ذات الأقلية الشيعية، توسيع قاعدة العمق الاستراتيجي في محيطها، تصدير الثورة، الازدواجية بين الخطاب والممارسة…)، ويبقى المتغير هو طريقة اشتغالها المبنية على المناورة والمساومة.

     أنهى المؤلف بحثه بـ خاتمة وجيزة لم يخلص فيها -وللأسف- إلى أمر ذي بال، ولم يقدم من استنتاجات سوى أن “ليس في القنافد أملس” حسب المثل المحفوظ، وأن تجربة العمل السياسي الإسلامي تؤكد أنها كباقي المشاريع، بقيت خلالها السياسة “بلبوسها السياسي المصلحي”،  وهذا فيه تجن كبير على التجربة السياسية للحركات الاسلامية التي قدمت إضافات نوعية في بعض تجاربها على الأقل، رغم الإكراهات التي تعرضت لها من الداخل والخارج، المعدمة بسياق دولي رهيب وموبوء. وهنا أقدم النموذج التركي على سبيل المثال لا الحصر، والذي لا يسمح المجال للتفصيل في الحديث عنه، وتبيان قدرة الإسلاميين على تقديم إجابات مقنعة وعملية للكثير من الإشكالات المزمنة التي عمرت طويلا دون حلها أو على الأقل التخفيف من حدتها وآثارها، وبالخصوص تلك المرتبطة بمسألة التنمية.

ملاحظات على هامش قراءة الكتاب

      على مستوى المفاهيم والمصطلحات: تقديم المفاهيم الأساسية بالعربية مع وضع نظير لها بالفرنسية مساعدة على التدقيق اللغوي في الأدوات المنهجية، لكن المطلع على الكتاب يلحظ أن هناك تشويشا وعدم الدقة في ترجمة بعض المصطلحات، مثلا: “الظلاميون” يعطيها مقابلا بالفرنسية ( (Les dogmatiste.

والصحيح هو “الوثوقيون”، والترجمة الأصح لـ(Les radicalistes)  هي “الجذريون” وليس “الأصوليون” كما يذكر كمثال “الإسلام الشعبوي”، قاصدا بذلك ما يطلق عليه بعض الباحثين “الإسلام الشعبي” مقابل “الإسلام الرسمي”.   

كما يتضمن الكتاب بعض الأخطاء المرتبطة بأسماء بعض الحركات الإسلامية المغربية، علما أن الباحث أكاديمي مغربي ويحيط به أبناء تلك الحركات من كل جانب، ولعله نسي أن دواء العي السؤال ومشاركة الآخرين ما تفكر به، بله ما تكتبه وتنشره وتقدمه!: مثلا يسمي حركة “التوحيد والإصلاح” “الإصلاح والتوحيد”، كما يذكر “الرابطة الإسلامية” والصحيح هو “رابطة المستقبل الإسلامي”.

 

     على المستوى المنهجي: 

– غياب التوثيق والمعطيات والحوارات، وكأن ما يذكره المؤلف من البداهيات، وليس معلومات تحتاج إلى التوثيق الموضوعي. كما أنه لا يستحضر الوثائق والمذكرات والكتابات والبرامج التي قدمها “الإسلام السياسي” ومقابلتها ونقدها نقدا علميا متخصصا.

– غلبة التأريخ والسرد الكرونولوجي على الاستقراء والمقارنة والتحليل، وطغيان الوصف التشخيصي العام على التفسير وإبراز الأسباب الكامنة وراء الظواهر المدروسة.

– عدم إعطاء لحظة الحراك العربي ما تستحقه من أهمية، مع إبراز خصوصية الثورة.

– المزاوجة بين اللغة الأكاديمية واللغة الصحفية، التي لا تخلو من حرارة و نزعة نضالية على حساب ما يفترضه البحث العلمي من تأن ورصانة وهدوء. من هفوات الكتاب المزاوجة بين التحليل الأكاديمي العلمي الموضوعي والتحليل الصحفي الانطباعي العامي، فإذا كان لب كل بحث زبدته واستنتاجاته، فقد خيب الباحث أملنا في الخروج باستخلاصات تفيد العمل البحثي حول ما أسماه بـظاهرة “الإسلام السياسي”. والمثال يتضح من خلال هذا المقتطف على سبيل المثال لا الحصر: “…وهذا الفراغ في الرؤية الموضوعية لتحديات الواقع وصعوبة الإنجاز الملموس هو الذي أظهرته المعطيات التنفيذية بعد وصول بعض الأحزاب الإسلامية إلى الحكم أو التي تقول بأن مرجعيتها إسلامية، لأن الحقيقة الواضحة للعيان هي أن السياسة بقيت بلبوسها السياسي المصلحي وما تحولت إلى ارتداء لبوس الأخلاق والطهرانية والفضيلة الدينية…”. ولنا في الواقع المثال على غير ما ذهب إليه صاحب الكتاب، وللقارئ الناقد واسع النظر.

      على مستوى المضمون: 

– موضوع ممتد في الزمان والمجال (المكان)، ويصعب الإحاطة به في كتاب واحد، ومن ثم طغى التعميم على الكثير من التحليلات والتفسيرات والاستنتاجات التي ذهب إليها الباحث إدريس صابي.

– إصدار أحكام القيمة والتحامل على حزب العدالة والتنمية (“لم يترك الفرصة تفوته ليركب مطية الحشد “الشعبوي”، “نهج سياسة اقتصادية تقشفية غير مسبوقة”..) والعدل والإحسان (وصفها بأنها تمارس “التقية السلوكية”..)، مستندا كما يبدو في خلاصاته العامة وانطباعاته غير العلمية على ما تروج به ساحة بعض الجهات الاعلامية المعارضة والمناوئة.

– لائحة المصادر والمراجع والبيانات المرجعية هزيلة (13 إشارة مصدرية ومرجعية)، فلاشك أن إغناءها كان سيشكل إضافة نوعية في مضمون البحث وبعض مخرجاته، خاصة إذا تم تدعيمها بزيارات ولقاءات مع الفاعلين (أو بعضهم على الأقل) المعنيين، ومقابلة ما يأخذ عنهم مع ما يقال ويكتب عنهم.

    على سبيل الختم، رغم هذه الملاحظات لا تنقص من قيمة “الإسلام السياسي والحراك العربي”، يبقى الكتاب من الإسهامات المفيدة والجادة والتي ستغني المكتبة العربية بالتأكيد، فعمق تكوين الباحث إدريس صابي، وتنوع وسعة اطلاعه، وأسلوبه المتين والسلس في الآن نفسه، انعكست على مضامين الكتاب وأغنته، بما يدفع القارئ إلى متابعة المسير بمتعة وشغف حتى النهاية !

شارك عبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *